ابن النفيس
480
الشامل في الصناعة الطبية
العلاء كان يحجم عن ذكر أسماء الأطباء الذين يخالفهم ؛ هل تأدّبا معهم ؟ أم أنه لم يكن واثقا في نسبة هذه الأقوال لهم ؛ فاكتفى بتصحيح كلامهم دون ذكر أسمائهم ؟ وأحيانا يشير العلاء إلى من ينتقدهم بإشارات جزافيّة ، لا نقع فيها على أشخاص بعينهم ، فمن ذلك : ما فعله حين قام بتصويبه البديع لرأى : العوام وجماعة من الأطباء الأقدمين ، يسبّون الخسّ ويقولون إنه ردئ ؛ لأنه يملأ البدن دما ، ولذلك يحدث في البدن الحكّة ! ( انظر الفصل الخامس من مقالة الخس ) . وكعادته ، فالعلاء في هذا الجزء من الشامل ، لا يكفّ عن تسجيل مشاهداته الحية للواقع الذي عاش فيه ، مما يفتح أمامنا - اليوم - بابا مهمّا للتعرّف إلى ما كان سائدا في عصره . . وهو يفعل ذلك بشكل غير مقصود ، وإنما هي سمة أسلوبية وطريقة مميزة من التأليف . فمن ذلك ، ما نراه في ثنايا كلامه عن الخرنوب وأفعاله في الجسم ، من إشارته إلى أنه صالح للسوداء - أو هكذا عرف عنه - ولذلك : الرعاع من أهل مصر يستعملونه للتداوي من الأمراض السوداوية ! ولا شك في أن تعبير ( الرعاع ) هنا بحاجة إلى تحليل دقيق ، يكشف عن طبيعة النظرة ( الطبقية ) التي كانت سائدة آنذاك ، حتى إنه لم يستعمل مكانها لفظة ( العامة ) أو ( العوام ) التي كانت أكثر تداولا وجريانا على الألسنة والأقلام . . غير أنّ مثل هذا التحليل ، قد يخرج بنا عمّا نحن بصدده من التقديم لهذا الجزء . وقد ظهر بوضوح - بين ثنايا مقالة الخبز - أن العلاء كان قد أتمّ الفن الأول والفن الثاني من الشامل . . مما يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحا : أين ذهبت بقيّة مخطوطات هذا الكتاب ؟ والسؤال : لماذا بقيت الأجزاء المتعلقة بالمفردات خصوصا ، واحتجبت بقية الأجزاء ؟ . . وعلى كل حال ، فها نحن ننقّب كل يوم في أرجاء العالم ، عن المزيد من مخطوطات الشامل ، عسى أن نقع على أجزاء أخرى ، غير تلك ( العشرات ) من الأجزاء التي تحت أيدينا ، لتكون هذه النشرة أكثر اكتمالا . وعلى ذكر ( الاكتمال ) تجدر الإشارة إلى أنّ مخطوطة الظاهرية كان أحدهم قد استكمل الفراغ الواقع بعد نهاية حرف الحاء ببعض الفوائد الطبية . . وهو ما يظهر من نماذج المخطوطات ، التي أوردناها عقيب مقدمة الجزء التاسع من هذه النشرة المحققة . . . وأما الآن ، فلندخل إلى بوّابة جديدة من بوّابات الشامل في الصناعة الطبية لنتعرّف إلى المزيد من هذا الجهد الخلّاق ، الذي ازدان به تاريخ العلوم عند العرب . واللّه الموفّق ، ، د . يوسف زيدان